بقلم: عبدالله إبراهيم الشاعر

المنامة

لم يعد الخطاب المعارض يحتاج إلى كثير من الذكاء كي يقلب الوقائع. يكفي أن تُسمَّى المسيرة الإيرانية «حرباً عدوانية على إيران»، وأن يُسمَّى من يردّ عليها في الفضاء الإلكتروني «ذباباً»، وأن يُسمَّى من يبارك سقوطها على سترة والمنامة «صاحب رأي»، حتى تكتمل المسرحية. هذا بالضبط ما يفعله النص الذي يتحدث عن «ازدواجية القمع» في البحرين، ويزعم أن الأجهزة الأمنية تحمي حملات التشهير وتترك «المحرّض الطائفي» يسرح ويمرح، بينما تعتقل المعارض في ساعات لأنه كتب تغريدة.

نحن أبناء هذا البلد، وهذا مجالنا. لا نترك الفضاء الإلكتروني ساحة فارغة لمن يريد أن يضر البحرين أو يخلّ بأمنها. ولسنا «ذباباً» يحتاج إلى مظلة أمنية كي يقول إن وطنه لا يُقصَف ثم يُمدَح قاصفه. نحن بحرينيون غيورون على أرضهم، نردّ بالحجة والواقعة والقانون، ولن نسمح لمن كان أن يحوّل العدوان إلى مظلومية، والخيانة إلى اختلاف سياسي، والطائفة إلى درع لمشروع خارجي.

أولاً: فبراير لم يكن شهر «حملة على الشيعة»… كان شهر الصواريخ على البحرين

النص يقول إن الظاهرة تصاعدت منذ فبراير، «أي منذ اندلاع الحرب العدوانية على إيران». هذه الجملة وحدها تسقط المقال كله. في الثامن والعشرين من فبراير 2026 بدأت إيران تضرب أراضي مملكة البحرين بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. قوة دفاع البحرين أعلنت اعتراض عشرات ثم مئات الصواريخ والمسيرات. سقط حطام، وأُصيب مدنيون، وتضررت مناطق سكنية ومنشآت، وأُخليت وحدات في سترة والحد وعراد وقلالي، ووثّقت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان قتلى وجرحى وأضراراً في الأعيان المدنية.

من يكتب بعد هذا أن البحرين شنت «حرباً عدوانية على إيران» لا يمارس رأياً؛ يمارس تزويراً. هو يعيد إنتاج بيان الحرس الثوري بلغة حقوقية. بعد التزوير يصير كل شيء سهلاً: الدولة «قامعة»، والمجتمع الغاضب «طائفي»، ومن أيّد الضربة «معارض مسكين»، ومن ردّ عليه «ذباب محمي».

الترتيب الصحيح للوقائع عكس ما يريدونه: إيران ضربت البحرين، ثم ظهرت أصوات تبارك الضربة أو تصوّر مواقع السقوط أو تبث الإشاعة في ليالي الإنذار، ثم تحركت الأجهزة والقضاء، ثم جاء خطاب الخارج ليقول إن المشكلة ليست في الصاروخ بل في من غضب من الصاروخ.

ثانياً: ليست تغريدة تنتقد سياسة… هذا تأييد لعدوان مسلح

يعرضون مفارقة مصنوعة: المعارض يُعتقل في ساعات لأنه «انتقد سياسة رسمية أو طالب بإصلاح»، أما «المحرض الطائفي» فيستمر سنوات لأنه يشتم «المغضوب عليهم». العبارة فارغة حتى يُسمَّى الفعل.

ما أعلنته النيابة العامة ومكافحة الجرائم الإلكترونية ليس ملاحقة مطالبة بالإسكان أو نقداً لوزير. البيانات تتحدث عن أفعال محددة في زمن عدوان:

تأييد وتحبيذ الاعتداءات الإيرانية على المملكة.

تصوير أماكن حيوية ومواقع محظور تصويرها وإذاعة بياناتها.

نشر أخبار كاذبة وإشاعات لإثارة الفزع والإضرار بالروح المعنوية.

وفي بعض الوقائع: التعاطف مع الاعتداء والتحريض على استهداف مواقع داخل البحرين.

صدرت أحكام معلنة بالسجن خمس إلى عشر سنوات في دفعات متتالية: خمسة وعشرون متهماً، ثم اثنا عشر، ثم سبعة، ثم قضايا لاحقة. النيابة كررت في بياناتها أن حرية الرأي مكفولة في إطار القانون، وأن المنصات ليست مباحة لمن يمسّ أمن البلاد واستقرارها.

هذا هو الخط الذي يرفض المعارض أن يراه. هو يريد أن يساوي بين من يقول «نطالب بإصلاح» وبين من يقول «أحسنتم يا طهران» بينما الصافرة تعمل والدفاع الجوي يعترض. لا دولة في الدنيا تقبل هذا الخلط وقت الحرب. أمريكا لا تقبله، وبريطانيا لا تقبله، وأوروبا التي يحتجون بها لا تقبله. وحده خطاب المعارضة البحرينية في الخارج يريد للضحية أن تمنح المعتدي ومن صفّق له حصانة اسمها «الرأي».

ثالثاً: الطائفة ليست وكالة لطهران… وهذا هو التحريض الحقيقي

أخطر جملة في النص ليست عن «الذباب». أخطر جملة هي التي تدمج المذهب بالسياسة حتى يصبح كل نقد لمشروع ولاية الفقيه «هجوماً على الطائفة الشيعية وعقائدها».

المواطن الشيعي البحريني جزء أصيل من هذا الوطن: في الوظيفة والجيش والتجارة والبرلمان والقضاء والعائلة والجيرة. من يختزله في «مكون مستباح» يفعل ما تفعله طهران منذ عقود: تحويل المذهب إلى هوية سياسية عابرة للحدود، ثم اتهام كل من يرفض الاصطفاف مع قم بأنه ناصبي يطأ المقدسات.

نحن لا نحارب عقيدة الناس. نحارب مشروعاً سياسياً أمنياً ثبت بالدم والحطام أنه يعتبر البحرين ساحة، لا بلداً ذا سيادة. بعد فبراير لم تكن المعركة على الحسينيات ولا على الصلاة. كانت على سؤال واحد: هل يجوز لبحريني أن يبارك صاروخاً يسقط على حي بحريني؟ من ينقل السؤال إلى «أنتم تكرهون الشيعة» لا يحمي الشيعة؛ يستخدمهم متراساً.

التحريض الطائفي مرفوض من أي جهة، ومن أي حساب، سواء سبّ مذهباً أو رمى عرضاً أو استباح رمزاً. لكن النص لا يأتي بأحكام محفوظة وأرقام وتحقيقات تثبت أن الدولة «تحمي الشاتم لسنوات». يأتي بتعميم، ثم يقفز إلى النتيجة الجاهزة: إذن هم جيش إلكتروني رسمي. هذا ليس دليلاً. هذا اتهام جاهز يُراد له أن يغني عن الدليل.

رابعاً: «عدم معرفة الفاعل» ليست صك براءة للدولة ولا صك إدانة لها

يقولون إن البلاغات ضد «المحرّضين الطائفيين» تُحفظ تحت بند عدم معرفة الفاعل، وإن هذا «مؤشر قوي» على ارتباطهم بأجهزة الدولة. الاستنتاج أضعف من أن يُناقش لو لم يُبنَ عليه اتهام بالخيانة المؤسسية.

الحساب المجهول، والهوية المستعارة، والخادم خارج البحرين، والشبكة المغلقة: هذه بيئة المنصات في العالم كله. نيابة المنامة لا تملك عصا سحرية على حساب يُدار من لندن أو بيروت أو طهران. أما من كان داخل الولاية القضائية وأيّد الضربات أو صوّر موقعاً محظوراً، فقد رُصدت حساباته، وحُدّدت هويته، واستُجوب، وفُحصت أجهزته، وأُحيل إلى المحكمة، وصدر الحكم. هذا عكس رواية «الجيش المحمي قانونياً».

المحمون حقاً معروفون. حسابات ومنصات المعارضة في الخارج تعمل منذ سنوات بلا رادع قضائي بحريني، تسمي الدولة نظاماً، والجيش قمعاً، والمجتمع الغاضب ذباباً، ومن يردّ عليها مرتزقاً. تتمتع بحماية اختصاص أجنبي، وتمويل خطاب، ومنصات جاهزة. ثم تأتي لتتهم أهل البلد بأنهم «ذباب الدولة» لأنهم لم يتركوا لها الفضاء خالياً.

من يملك الجيش الإلكتروني؟ من لديه إعلام رسمي وشبه رسمي في طهران، وشبكات إقليمية، وسردية واحدة بعد كل ضربة: البحرين قاعدة، والشعب مضطهَد، والصاروخ ردّ. ثم معارضة تترجم الجملة نفسها إلى لغة حقوق الإنسان. هذا ليس مجتمعاً يناقش. هذا جهاز خطاب يريد تجريد الدولة من حق الرد في حرب قائمة.

خامساً: دولة القانون التي يسخرون منها هي ما يفضحهم

يسخرون من «حقيقة دولة القانون». حسناً. دولة القانون وقت العدوان المسلح تفعل ثلاثة أمور: تعترض الصاروخ، وتحمي المدني، وتلاحق من يخدم رواية المعتدي من الداخل. هذا ما حدث.

هل يمكن أن توجد أخطاء في التطبيق؟ نعم. هل يمكن أن يُساء استخدام مادة قانونية؟ في كل نظام ممكن. لكن القفز من احتمال الخطأ إلى نظرية كاملة تقول إن الأجهزة «تقف وراء الذباب» و«تطوّع القانون لحماية مشيري الفتن» هو خطاب انقلاب على الشرعية، لا نقداً لإجراء.

وقد صدرت في البحرين أحكام في محتوى يثير الفتنة ويزدري رموزاً دينية. من يريد صورة «القانون أعور» يخفي هذه الأحكام ويبقي مشهداً واحداً: نحن الطائفة المستباحة، وهم الذباب المحمي. الرواية تحتاج ضحية دائمة. الملف القضائي الكامل يفسدها، لذلك لا يُعرض.

سادساً: الفضاء الإلكتروني ليس ملك المعارضة… وهو ليس فوضى بلا قانون

قالوا إن الأجهزة تغض الطرف عن «الذباب» الذي يهاجم الطائفة ويشهّر بالمواطنين ويخوّنهم لمجرد الاختلاف السياسي. نحن نقول شيئاً أوضح:

الفضاء الإلكتروني امتداد لأرض البحرين. من يتعدى على البحرين فيه لا يُترك يسرح ويمرح كأنها ساحة فارغة. الرد ليس دكّ حسابات ولا ملاحقة أعراض الناس. الرد أن يُكشف الكذب، وأن تُعاد الواقعة إلى نصابها، وأن يُبلَّغ القانون عمن أيّد العدوان أو حرّض على الإخلال الأمني أو بث الإشاعة في زمن الإنذار.

لا سكوت بعد اليوم على أي مندس أو ذيل يشوّه صورة البحرين ويطعن في استقرارها وأمنها. هؤلاء ليسوا أصحاب رأي ولا معارضة وطنية. قسم كبير من خطابهم مسوخ طائفية ومرتزقة المشروع الصفوي، يكذبون على الناس مرتين: مرة حين يسمّون الصاروخ مقاومة، ومرة حين يسمّون غضب البحريني طائفية.

الفرق بين النقد والخيانة ليس لغزاً. النقد يقول: نريد أداء أفضل من الدولة. الخيانة تقول: نريد للذي ضرب الدولة أن يُمدَح، ولمن ردّ عليه أن يُدان. النص المعارض يقف في الضفة الثانية ثم يطلب احترام «دولة القانون».

الخاتمة

الازدواجية ليست أن يردّ البحريني على من يطعن بلده. الازدواجية أن يُطلب من الضحية أن تصمت كي لا تُتّهم بالطائفية، وأن تتفرج النيابة على من يبارك قصفها كي لا تُتّهم بالقمع، وأن تُختزل الشيعة البحرينيون في وكالة سياسية لطهران ثم يُقال إن من يرفض هذا الاختزال يعتدي على المقدسات.

البحرين تعرّضت لعدوان مسلح. من وصف العدوان بأنه حرب على إيران كذب على التاريخ القريب. من ساوى بين نقد السلطة وتأييد الصاروخ كذب على القانون. ومن حوّل كل مواجهة مع خطاب موالٍ لقم إلى «حملة على الشيعة» كذب على أهل البحرين الشيعة أنفسهم؛ لأنهم ليسوا متهمين بالجملة، ولا بحاجة إلى وصاية معارضة في الخارج كي يُعرَفوا مواطنين.

هذا مجالنا. نحمي الوطن فيه كما نحميه في كل ميدان. ولن نسمح لأحد أن يضر البحرين أو يحاول الإخلال بأمنها تحت أي لافتة: رأي، طائفة، أو مظلومية مستوردة.

إحنا لها.