بقلم: عبدالله إبراهيم الشاعر
ليست الدولة التي تُصان حدودها ليلة قصف دولةً ارتدت إلى الاستبداد، بل دولة عرفت أن السيادة لا تُستعار، وأن الأمن لا يُوهب لمن يجعل أرضه ممراً لعدوه.
أقرّ المقال أن الجيش الإيراني قصف قواعد ومواقع في البحرين، وأن البلاد كانت تحت دويّ الانفجارات واعتراض المسيّرات والصواريخ. فإذا كان العدوان مشهوداً، فأيّ عقل يجعل احتياط الدولة جريمة، وصمتها عن موالي الضارب حكمة؟ الحرب لا تُدار بمنطق المجالس الهادئة، ولا تُوزن إجراءاتها بميزان من لم يسمع الصاروخ فوق رأسه.
إسقاط الجنسية والاحتجاز والإحالة إلى المحاكمة ليست رجعة إلى ما قبل الإصلاح، بل فصل بين من وُلد للوطن أو اختاره، ومن جعل ولاءه لجهة تقصف الوطن. نسبت الجهات الرسمية المتأثرين إلى أصول غير بحرينية، ومدار التهمة التعاطف مع الأعمال العدائية وتمجيدها أو التواصل مع جهات أجنبية. فأين الدكتاتورية في محاكمة كلمة صارت عوناً لعدو مقاتل، وفي التمييز بين المواطن ومن اتُّخذت جنسيته ستاراً؟
روى المقال أن وفاة محمد الموسوي أُحيل فيها شخص إلى القضاء وصدر حكم بالمؤبد. وذلك، إن صحّ مساره، دليل على أن باب المساءلة لم يُغلق، لا على عودة حكم بلا حساب. ومن العجب أن يُجعل الحكم على الجاني حجة على الدولة، وأن يُقرن حادث فُتح فيه تحقيق بسنوات سابقة، كأن القضاء لم يفصل بين الواقعتين.
تمديد الولاية التشريعية وفصل نواب انتقدوا تعديلاً في قانون الجنسية شأن الدول التي تؤخر الانتخاب إذا دارت الحرب على أبوابها. ليس في ذلك محو للدستور، بل تقديم بقاء الدار على موعد الصندوق. والإصلاح الذي استُؤنفت به الحياة البرلمانية لم يكن وعداً بتعطيل الدولة كلما رفع خصم راية الخصومة ساعة الخطر. والقانون يُراجع كلما ضاقت نصوصه عن ضرورة المرحلة، لا كلما راق ذلك لمن يقيس الصلاح بما يُترك للخصم من فرجة.
الاستشهاد بمن حُلت جمعيته ويتوارى عن اسمه، فيصوّر كل ظرف قضية أمن، قول من يرى هيبة الدولة عدواناً، وولاء بعض الجماعات لخارج الحدود رأياً سائغاً. شهدت البحرين عام 2011 وما بعده أن الشعار السلمي لا يعصم إذا انقلب التجمع عنفاً، وتقاطعت المطالبة مع مشروع إقليمي لا يخفى مأتاه. طيّ صفحة الانتهاك لا يكون بتسليم السردية لمن يقاتلك، ولا بحرية تبيح تمجيد من يقذف أرضك.
أحسن من قال إن البحرين ليست بحاجة إلى أزمة خارجية لتحمي جبهتها الداخلية، وإن من استغل حرب إيران عليها ظنها أرضاً خصبة لأجندة تُغذى من وراء الحدود. لبّ المسألة: ليست الإجراءات عودة إلى دكتاتورية سابقة، بل جواب دولة صغيرة ضُربت، فآثرت أن تبقى على أن تُرضي قوماً يقيسون الحرية بما يُسمح للعدو أن يجد له في الداخل لساناً.
الديمقراطية ليست فتح الأبواب لمن يصفق للصاروخ، والإصلاح ليس نسيان السيادة كلما اشتد الغبار. والبحرين، إذا حزمت أمرها في الحرب، لم ترجع إلى ما قبل الإصلاح، بل إلى أصل الدول: أن تحفظ أهلها، وتفرق بين الرأي الذي يُقال في السلم، والخيانة التي تُقال في ظل القصف.