بقلم:عبدالله إبراهيم الشاعر
رئيس منصة مدافعين البحرين
ليس أضعفُ ما في هذا البيان أنه يتكلم بلسان الغضب. الضعيفُ فيه أنه سرق اسم الشعب ثم لبس ثوب الانتفاضة، ثم أشار إلى الملك باسمه كمن يحدّد خصماً لا كمن يخاطب دولة، ثم أقسم أنه ليس داعية فوضى. هكذا تُكتب البيانات حين تريد أن تؤجج ولا تريد أن تُسمَّى بما هي عليه.
من أنتم حتى تصيروا «بيان شعب البحرين»؟ البحرين ليست مجموعة شبابٍ منحت نفسها حق النيابة عن الأمة، ثم جعلت الصمت خيانة، والموقف رفضاً للدولة، والعقيدة رايةً لحركة. الشعبُ أكبر من صفحتكم، وأعرق من وسمكم، وأعرف بنفسه من أن يُختصر في عبارة «انتفاضة شعب». من ادّعى تمثيل الجميع فقد بدأ بالباطل، ومن بدأ بالباطل لم يُنتج حقاً ولو زيّنه بآية.
قلتم إن السكوت أمام الظلم ليس حياداً. نعم، والصخب أمام القانون ليس شجاعة. أنتم لا تواجهون ظلماً مجرداً، تواجهون دولةً تنظم الوقف والمنبر والمأتم والخطاب، فتسمّون التنظيم تضييقاً، والرقابة وصاية، والترخيص عدواناً على العقيدة. هذه الحيلة معروفة: تُرفع الشعيرة درعاً فوق المشروع، فإذا مُسّ المشروع قيل إن الدين قد جُرح. وما جُرح الدين. جُرحت رغبتكم في أن يبقى المنبر فوق الدولة، والطائفة فوق المواطنة، وكلمتكم فوق أمر الملك.
ثم جعلتم حمد بن عيسى، بصفته رأس الدولة، المسؤول السياسي الأول. وهذا أصدق سطرٍ في بيانكم وأشده كشفاً. نعم، رأس الدولة مسؤول عن أمن المملكة ونظامها وسيادتها. هذه ليست تهمة، هذه طبيعة الملك. المسؤول عن الأرض لا يستأذن مجموعةً لتضبط المنابر، ولا يعتزل القرار حين يُراد تحويل الشعائر إلى أداة نزاع. أنتم لا تطلبون محاسبة بالمعنى السياسي النزيه. أنتم تضعون اسم الملك في صدر البيان ليصير الهدف واضحاً، ثم تهربون إلى عبارة «لسنا دعاة فوضى». من يخاطب رأس الدولة بهذه النبرة ثم يدعو الناس إلى ترك الصمت، لا يكتب عريضة حقوق. يكتب تهيئة.
قلتم إن ما يجري مساس بحرية المجتمع والشعائر والمنابر والمآتم ومكانة العلماء. المجتمع حر في عقيدته، غير حر في أن يجعل العقيدة إمارة. المنبر حق في الوعظ، ليس حصانة لإبطال إجراءات الحكم. المأتم موضع عزاء، ليس مقر تعبئة. العالم يُوقَّر في علمه، لا يُرفع فوق القانون إذا دخل مشروع الجماعة. ومن جعل مكانة العلماء خطّاً أحمر على الدولة فقد جعل الدين طبقة حاكمة، والشعب قطيعاً خلف المنبر.
أما حديثكم عن المعتقلين والمعتقلات، وعن الكرامة التي لا تُساوم، فالكرامة لا تُحمى بنداء يشق الجماعة. الكرامة أن يبقى الوطن واحداً، وأن تُمارَس الشعيرة تحت سقف الأمن لا تحت سقف الوصاية. أنتم تخلطون بين حق الإنسان في العبادة وحق التنظيم في أن يظل خارج الدولة. الأول مصون. الثاني مرفوض. ومن لم يميّز بينهما إنما يريد أن يمرّر الثاني في جوف الأول.
قلتم إن أخطر ما يكون أن يعتاد الناس الظلم. وأخطر منه أن يعتاد الناس أن تُسمَّى الدولة ظلماً كلما منعت أن يتحول الدين إلى انتفاضة. الاعتياد الذي تخشونه أنتم هو اعتياد النظام. والاعتياد الذي تخشاه المملكة هو اعتياد الخروج. فلا تجعلوا خوفكم حجة على الناس، ولا تجعلوا صمت العقلاء تهمة. كثير من الصمت ليس جبناً. هو معرفة أن الشعار إذا انفلت لم يقف عند «كفى تضييقاً»، بل مضى إلى ما بعده.
«انتفاضة شعب» اسم لا يُقال عبثاً. الانتفاضة ليست مقالاً، ولا بياناً، ولا وسماً. هي دعوة إلى نزع السكينة عن البلد ثم تسمية ذلك كرامة. ومن قال «كفى صمتاً» وهو يكتب رأس الدولة في موضع الاتهام، فقد حدد الاتجاه. لا يُخفف هذا الاتجاه أن تكتبوا في الختام أنكم لستم دعاة كراهية. الكراهية لا تحتاج دائماً إلى شتيمة. يكفي أن تُقنع الناس أن ملكهم خصمهم، وأن عقيدتهم محاربة، وأن نجاتهم في كسر الصمت حتى ينكسر النظام.
نحن البحرين ملك. الشعب فيها ليس وقفاً على مذهب، ولا وكالة لمجموعة، ولا مادة لبيان. الملك رأس الدولة ومصدر الولاية، لا متهم في منشور. الشعائر تُقام، والمعتقد لا يُصادر، فأما أن تُحوَّل العقيدة إلى خط أحمر فوق السيادة، والكرامة إلى مبرر للخروج، والنصر إلى وعدٍ يُتلى بعد دعوة الانتفاضة، فذلك ليس ديناً يُنصر. ذلك مشروع يبحث عن غطاء.
الكلمة حق إذا بقيت كلمة. فإذا صارت نيابة عن الشعب ودعوة إلى الانتفاضة واتهامًا لرأس الدولة، صارت فتنة. والموقف مسؤولية إذا وقف عند حد الدولة. فإذا جعل الدولة خصماً للعقيدة، سقط عن معنى المسؤولية ودخل في معنى المنازعة. لا يُرد على هذا البيان بالمجاملة، ولا يُترك يسرق اسم البحرين. البحرين ليست «انتفاضة شعب». البحرين مملكة، وشعبها أوسع من غضبهم، وأثبت من بيانهم، وأوفى لملكها من أن يُستدرج إلى معركة يكتبها من لا يملك إلا الصوت ثم يطلب من الناس أن يدفعوا الثمن.