بقلم عبدالله إبراهيم الشاعر

‏رئيس منصة مدافعين البحرين

لقد بات من أوضح آيات هذا الزمان أنّ من فقد حجّته في ساحة الوطن يلجأ إلى ساحة الادّعاء، فيرفع صوتَه من بعيدٍ يزعم أنّ الذبابَ فوق القانون، وهو في الحقيقة إنّما يشكو من أنّ المدافعين عن الوطن قد أقضّوا مضجعه وكشفوا زيفَ ما يروّجه من تضليلٍ للرأي العام الدولي.

إنّ من يسمّيهم «ذباباً إلكترونياً» ليسوا إلا أبناء هذا الوطن من مختلف أطيافه، سنّةً وشيعةً وغيرهم، قاموا يدافعون عن كيان الدولة واستقرارها، ويكشفون الحملات المنظّمة التي تستهدف تشويه صورتها أمام العالم، ويواجهون بالكذب الصريح والادعاء المكذوب. هؤلاء ليسوا فوق القانون، بل هم تحت ظلاله يحتمون به ويحمونه، بينما من يدّعي المظلومية يهرب من المواجهة داخل الوطن إلى منابر الخارج، فيكيل التهم جزافاً، ويصف الدفاع عن الأرض «كراهيةً»، والتمسّك بالسيادة «فصلاً طائفياً»، والتصدّي للفوضى «دعماً رسمياً للتفاهة».

وانظر كيف يقلب الحقائق على عقبها: يزعم أنّ القانون يطبَّق بانتقائيةٍ، وأنّ من يكفّر أو يسخر أو يقدح في رموز فئةٍ من المواطنين يُترَك وشأنه، بينما يُؤخذ الآخر بأقلّ كلمةٍ. والحقيقة أنّ الدولة ما برحت تطبق قانونها على كلّ من تجاوز الحدّ أيّاً كان انتماؤه، وأنّ من يُلاحَق إنّما يُلاحَق بما ثبت عليه من تحريضٍ أو إساءةٍ أو مساسٍ بالأمن العام، لا بمجرد انتمائه المذهبي. أمّا من يرفع شعار «الفصل الطائفي» فإنّه يستعير مصطلحاً حقوقياً ليغطي به واقعاً سياسياً آخر: واقع من لم يرضَ باستقرار البحرين بعد أحداثٍ عرف الجميع من أيّ جهةٍ كانت تغذيتها، فصار يصف كلّ دفاعٍ عن الوطن اضطهاداً، وكلّ محاسبةٍ على الفوضى تمييزاً.

وقد ادّعى أنّ لديه توثيقاً منذ عام 2011، وأنّ الشكاوى تُحفظ، وأنّ الجهات المعنية تغضّ الطرف. وهذا الكلام إنّما يراد به إشاعة الشكّ في مؤسسات الدولة، لا خدمةَ الحقّ. فإن كان لديه دليلٌ حقيقيّ فليقدمه إلى الجهات المختصة داخل الوطن لا إلى المنابر الدولية التي يسعى من خلالها إلى الضغط والتشويه. أمّا أن يزعم أنّ الدولة تدعم «التفاهة» و«خطاب الكراهية» بينما هي تعلن عن قوانين لمكافحته وجوائز لمن يواجهه، فذلك من أعجب التناقضات: يعيب على الدولة أنّها تكافح الكراهية، ثمّ يعيب عليها أنّها لم تكافح ما يسمّيه هو كراهيةً وفق هواه السياسي!

وأمّا حديثه عن نفسه، وما لاقاه من فصلٍ واعتقالٍ وحكمٍ غيابيّ واستهداف، فإنّه يقدّمه على أنّه شهادةُ حقّ، وهو في ميزان النظر شهادةُ موقف. فمن اختار أن يعمل من خارج الوطن في تشويه صورة الدولة ومؤسساتها، وأن يدعو إلى محاكمتها أمام المحافل الدولية، لا يستغرب إن واجهته الدولة بما لديها من أدوات قانونية. والمصالحة التي يدّعيها مع ما أصابه ليست مصالحةً مع الحقّ، بل مصالحةٌ مع اختياره السياسي الذي جعله في صفّ من يرون في استقرار البحرين خصماً لهم.

إنّ هذا الفيديو نفسه شاهدٌ على ما يشكوه صاحبه: لقد أوجع المدافعون عن الوطن مضجعه حين كشفوا الادعاءات المكذوبة التي تصدر عن أمثاله، فخرج يشكو من أنّ «الذباب» فوق القانون، وهو في الحقيقة يشكو من أنّ صوت الحقّ قد ارتفع فوق صوت الباطل. والبحرين دولة مؤسساتٍ وقانون، لا تميّز بين أبنائها في تطبيق أحكامها، ولا تقبل أن يُستبدل الدفاع عن الوطن بتهمة «الذباب»، ولا أن تُحوَّل حماية الاستقرار إلى «فصلٍ طائفي». ومن أراد أن يناقش القانون فليأتِ إلى ساحته، لا أن يرفع صوته من بعيدٍ يبكي على ما لم يعد يملكه من قدرةٍ على تضليل الرأي العام.