كتب التصريح بقلم :عبدالله إبراهيم الشاعر

ما أصدقَ الحربَ حين تكشفُ ما استتر، وما أعدلَها حين تضعُ كلَّ مدّعٍ في ميزانِه الحقيقيّ. لقد انقضتْ سنواتٌ طوالٌ وأصواتٌ تزعمُ المعارضةَ وتتدثّرُ بشعارِ الإصلاحِ والحرّيّة، حتّى إذا وقعتِ الحربُ وامتدّتْ يدُ إيرانَ لتضربَ البحرينَ، انكشفتْ تلك الأصواتُ على حقيقتها، فإذا هي تنضمُّ إلى الضاربِ، وتبرّرُ عدوانَه، وتجعلُ من الوطنِ هدفاً لمصالحِ غيرِه، ومن دمائِه حجّةً لخصومِه.

أيُّ إصلاحٍ هذا الذي يُبنى على الاصطفافِ مع من يستهدفُ الدار؟ وأيُّ حرّيّةٍ تلك التي تُمارَسُ ببيعِ الانتماءِ رخيصاً لولايةِ الفقيه؟ إنّ الانضمامَ إلى إيرانَ وهي تعلنُ العداءَ وتوجّهُ ضرباتِها نحوَ البحرينَ ليسَ رأياً يُحترمُ ولا اختلافاً يُحتمل، بل خيانةً عظمى تخلعُ عن صاحبِها كلَّ حقٍّ في الانتسابِ إلى هذا الوطن. فقد خانَ من جعلَ صوتَه سيفاً في يدِ العدوّ، وخانَ من وقفَ مع الضاربِ ضدَّ المضروب، وخانَ من آثرَ الولاءَ للغريبِ على الوفاءِ لأهلِه ودارِه.

وكيف يُقبلُ في صفوفِ أبناءِ الوطنِ من خانَه في ساعةِ الشدّة؟ وكيف تُسامحُ أصواتٌ انضمّتْ إلى من يريدُ النيلَ من أمنِه واستقرارِه؟ إنّ المسامحةَ بعدَ الخيانةِ العظمى ليستْ كرماً ولا رحمة، بل تفريطاً في حقِّ الوطنِ وتهاوناً بشرفِ الانتماء. فالحربُ قد مزّقتِ الستارَ وأظهرتْ ما كانَ خافياً على بعضِ الناس، وصارَ السرُّ علناً والدليلُ قائماً لا يُدفع. لم يعدْ ثمّةَ مجالٌ للشكِّ أو التأويل، فقد بانتِ الوجوهُ وانزاحتِ الأقنعة، وتميّزَ من يدافعُ عن الدارِ ممّن يفتحُ أبوابَها لمن يريدُ بها السوء.

وليسَ بعدَ هذا الانكشافِ عذرٌ يُقبلُ أو تأويلٌ يُستساغ. فمن باعَ وطنَه في لحظةِ الامتحانِ فقد خلعَ عن نفسِه ثوبَ المواطنة، ومن جعلَ ولاءَه لغيرِ سيّدِه فقد حكمَ على نفسِه بالبعدِ عن صفوفِ الأوفياء. الحربُ ميزانٌ لا يكذب، وهي التي تفرّقُ بينَ الصادقِ والمدّعي، وبينَ من يحمي الحمى ومن يطعنُه من الخلف. فليعلمْ كلُّ من انكشفَ أمرُه أنّ الوطنَ لا يتّسعُ للخائن، وأنّ الصفحَ عن الخيانةِ العظمى ليسَ من شيمِ الأحرارِ ولا من خلقِ الذين يغارونَ على ديارِهم.

الجمعة ٣٠ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ

الموافق ٣١ يوليو ٢٠٢٦ م