بقلم:عبدالله إبراهيم الشاعر

تنتقل المعركة من الخارج إلى الداخل

لم تعد الحملات تُدار كما كانت تُدار قبل سنوات. زمان كانت تأتي من خارج الحدود، بخطابٍ معروف، ولغةٍ مفضوحة، وغايةٍ يسهل تسميتها. أما اليوم فقد تغيّر موضع الإشعال. التحريك يبدأ من الداخل أولاً، لا ليُقنع الناس بفكرة، بل ليزعزع الثقة فيمن يكتب، ويفتح فتيل المجتمع على الكاتب والصحفي والمغرد قبل أن يصل الجدل إلى أي قضية عامة.

الطريقة ليست معقدة. تُرمى التهمة جاهزة: هذا طبّال، وهذا منافق، وهذا يأكل من ميزانية مرصودة، وهذا يستلم الغنائم عن غيره ثم يترك للناس الفتات. لا يُطلب من المتلقي أن يفحص الكلام، يُطلب منه أن يحتقر صاحب القلم. فإذا سقطت هيبة الكاتب في عيون جمهوره، صار ما يكتبه بعد ذلك ضعيفاً ولو كان صحيحاً. الهدف ليس تفنيد الرأي، الهدف كسر الاطمئنان داخل صاحب الرأي نفسه: أن المعركة لم تعد بعيدة عنه، وأنها ستأتيه من بيئته، ومن حسابات تبدو محلية، ومن ألسنة تتكلم بلغته.

هذا التحول أخطر من الدعاية الخارجية. الخارج يُواجه بوصفه خارجاً. أما التحريك الداخلي فيعمل على شيء أدق: عزل الكاتب عن مجتمعه، وإيهامه بأنه محاصر، وأن الدولة أو الناس لن يقفوا معه بالسرعة اللازمة. فإذا تأخر الإجراء، أو صمت الوسط، اكتملت نصف العملية من غير حاجة إلى انتصار كامل. يكفي أن يتردد القلم، وأن يحسب المغرد حساب الكلمة مرتين، وأن يشعر الصحفي أن الثمن سيُدفع من سمعته لا من حجته.

المجتمعات التي تُترك أقلامها وحدها أمام حملات التشويه تفقد خط دفاعها الأول من غير أن تنتبه. الكاتب ليس ترفاً إعلامياً، والصحفي ليس موظفاً في واجهة، والمغرد الصادق ليس أداة في ميزانية أحد. هؤلاء خط تماس. إذا نجح المحرّك في إقناع الناس بأن من يدافع عن الاستقرار مرتزق، وبأن من يسمي الأشياء بأسمائها كلب شوارع، فقد نقل المعركة إلى المكان الذي يريده: داخل الرأس، وداخل البيت، وداخل الثقة العامة.

ما يجري الآن ليس سجالاً عابراً على منصة. هو اختبار لسرعة الرد. فالحملة الداخلية لا تنتصر حين تُقنع الجميع، تنتصر حين تجد فراغاً: فراغ موقف، وفراغ حماية للكلمة المسؤولة، وفراغ إجراءات تقطع الطريق قبل أن يستقر الاتهام في الوجدان. ومن لم يقطع الطريق في أوله، يكتشف بعد قليل أن العملية المزعومة لم تعد في بدايتها، وأنها قد قطعت نصف الطريق وهي تبدو، لمن يتابع من بعيد، مجرد شتيمة عابرة.