بقلم: عبدالله إبراهيم الشاعر
رئيس منصة مدافعين البحرين .
ما أضعفَ الدعوى إذا فرّ صاحبُها من قاعةِ الحكم إلى لغةِ المسرح، وما أسرعَ الباطلَ إلى رمي الميزان بالهزل إذا ثقل عليه البرهان. يزعم نائبُ الوفاق أن محاكمةَ العلماء مسرحيةٌ هزلية، وأن الأكاذيب تُحاك في أروقة المخابرات، وأن الحبكةَ الرثةَ لم تعد تنطلي على عاقل؛ وكأن العقل عنده هو من يصدّق أن المنبر إذا طال عليه الأمد صار حصناً من الحساب، وأن العباءة إذا استترت بها السياسة خرج صاحبُها من دائرة القانون.
إن الحقّ لا يحتاج إلى تمثيل، والباطل هو الذي يلوذ بصفة المسرحية كلما دنا منه السؤالُ الجادّ. فهؤلاء الذين يراد لهم أن يُحسبوا مجردَ معلّمين في المساجد لم يُؤخذوا لأنهم رتّلوا آيةً أو شرحوا مسألةً في الفقه، بل لأن المنبر عند طائفة منهم لم يبقَ موضعَ علمٍ بل موضعَ مشروع، ولأن الدرس لم يبقَ بياناً بل صار تعبئة، ولأن الدعوة إلى الفضيلة تسقط عندهم حين يتعارض الولاء للوطن مع الولاء لما وراء الحدود.
والرجل الذي جاوز الستين لا يعصمه عمرُه إذا كان عمرُه قد انقضى في تحويل الدين أداةً، ولا يُسقط التهمةَ عنه أن الناس عرفوه بين المحراب والكرسي؛ فالمعرفة العامة وجهٌ، والسيرة السياسية وجهٌ آخر، والمحكمة لا تحكم بالملامح بل بما ثبت من قولٍ وفعلٍ وصلة. أما زعمُ أن المصداقية ملكٌ للشعب يمنحها ويمنعها، فهو حقّ في ظاهره، باطل في استعماله؛ لأن الشعب الذي شهد السنين لم يشهد علماءَ منقطعين في محاريبهم فحسب، بل شهد جمعيةً تتحرّك، وخطاباتٍ تتصاعد، ومواسمَ فتنةٍ تُذكى ثم تُنكر، حتى إذا جاء الحساب صيح: هذه مسرحية.
ومن أعجبِ ما في هذا الخطاب أنه يسمّي القضاء هزلاً وهو نفسه يعيش على التمثيل: يمثّل المظلومية إذا ضاق عليه الدليل، ويمثّل الورع إذا احتيج إلى الغطاء، ويمثّل الوطنية إذا خيفت العاقبة. فإذا كانت الحبكة رثّة حقاً، فإن أرثّ منها أن يُطلب إيقاف المحاكمة لا لأنها خلت من الحجّة، بل لأنها كشفت أن العلم إذا دخل سوق السياسة لم يعد علماً يُوقَّر، بل خصومةً تُحاكَم. والعاقل لا ينخدع بمن يصف الميزان بالمسرح؛ إنما ينخدع من ظنّ أن رفع الصوت يغني عن رفع الحجّة، وأن اتهام الدولة بالكذب أهونُ من مواجهة ما في الملف من أثرٍ لا يُمحى بالصراخ.