بقلم: عبدالله إبراهيم الشاعر

التناقض الذي لا يُوارى

ليس من شأن البيان الذي أصدرته هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة أن يخفي ما قد كشفه. فبين مذكرة التفاهم التي وُقّعت مع واشنطن، والرسالة المنسوبة إلى المرشد الجديد مجتبى خامنئي التي تزعم أنّه «كانت لديه من حيث المبدأ وجهة نظر أخرى»، ينكشف تناقضٌ لا تحتمله بلاغة الثورة ولا تغطيه تهم «النقض المتكرر». النظام الذي مدّ يده إلى الاتفاق يعود اليوم ليعلن أنّ الثقة بأمريكا سراب، وأنّ الأمل في التفاهم معها لا يفضي إلى شيء. فأيّ اتفاقٍ هذا الذي يُبرم ثم يُنكر؟ وأيّ ولايةٍ هذه التي يُنسب إليها الرأي بعد أن جرى العمل بخلافه؟

هذا ليس موقفاً سياسياً يُراجع، بل اعترافٌ بأنّ القرار لم يكن قرار المرشد، أو لم يكن قراره الحق. وكيف يُطلب من المسؤولين «الالتزام العملي الكامل» بتوجيهات الولي الجديد، وقد كان فريق التفاوض يعمل في ظل الولي السابق؟ وكيف يُجعل رأي الفقيه «المحور الوحيد للوحدة» والوحدة نفسها منقسمة بين من وقّع ومن ينكر التوقيع؟

التناقض بنيوي لا عرضي. مجلس الخبراء الذي يرفع اليوم شعار الانضباط المطلق خلف مجتبى هو ذاته الذي شهد قبل أسابيع رسالةً مفتوحة من أعضائه تضع شروطاً تناقض بنود المذكرة. فالصراع ليس بين طهران وواشنطن فحسب، بل بين جناحين داخل النظام: جناح اضطر إلى التفاوض تحت ضغط الضرورة، وجناح يسترد الآن زمام الأمر فيمحو أثر التفاوض بإعادة كتابة التاريخ. هذه الحركة معروفة في سير الأنظمة التي تحكم باسم العقيدة ثم تضطر إلى الواقع، ثم تنكر الواقع حين يتبدل رأس الهرم. رأيناها في طهران مراراً منذ الثورة، ورأينا كيف يدفع الإقليم ثمن الوعود التي تُنقض بعد حين.

حين يصف البيان الالتزام برأي المرشد بأنّه «واجب عقلي وشرعي»، فإنّه يقرّ ضمناً بأنّ الوحدة ليست قائمة، وأنّ الخلاف حول التعامل مع الخصم بلغ حدّاً يهدد تماسك المؤسسة. والضغط المتصاعد على فريق التفاوض بعد الرسالة المنسوبة إلى مجتبى ليس دفاعاً عن الثوابت، بل حلقةً في سلسلة تصفية الحسابات الداخلية.

ما يجري في طهران اليوم يتجاوز المناورة. إنّه كشفٌ متكرر لطبيعة نظامٍ يعجز عن أن يصالح بين عقيدته الثورية وضرورات الدولة. كلّما اقترب من تسوية اضطرارية عاد لينكرها، وكلّما تغيّر رأس الهرم أُعيد تعريف ما كان مقبولاً قبل أشهر. فيغدو الحديث عن مذكرة التفاهم أو المفاوضات المستمرة فصلاً عابراً في روايةٍ لا تثق بنفسها.

والإقليم الذي يراقب هذه التقلبات يعلم ثمن التعامل مع طرفٍ يغيّر موقفه بتغيّر القيادة، ويحوّل الاتفاق إلى سراب بعد أن يوقّعه. والدرس ليس جديداً، غير أنّه يتأكد مرة أخرى: الثقة بنظامٍ هذه بنيته ليست خياراً سياسياً، بل مقامرةً محكومة بالفشل من أصلها.