كتب المقال بقلم :عبدالله إبراهيم الشاعر

ما أبعدَ الشقّةَ بين من يتكلّم بلسان الحضارات القديمة ونظامٍ لم يجاوز عمرُه ثمانياً وأربعين سنة، كأنّه يلبس رداء الأقدمين وهو حديثُ العهد بالسلطان، ثمّ يدّعي لنفسه وصايةً على الرسالة المحمّدية كأنّها ميراثٌ خاصٌّ لا يشارك فيه أحد.

يزعمون أنّ إيران أمةٌ ذات حضارةٍ عريقةٍ أسهمت في قيام الحضارة الإسلامية وازدهارها، وهذا حقٌّ في أصله، فقد أسهم الفرس في ميادين العلم والفلسفة والطب تحت مظلة الإسلام. لكنّ الحضارة الإسلامية لم تقم على فارس أولاً، ولا على مذهبٍ صفويٍّ لاحق، بل قامت على لغةٍ عربيةٍ نزل بها القرآن، وعلى رسالةٍ خرجت من أرضٍ عربية، وعلى أمةٍ فتحت العالم بلسانٍ عربيٍّ قبل أن تتحوّل طهران في القرون المتأخّرة إلى مركزٍ لمشروعٍ سياسيٍّ يعيد صياغة الدين وفق ولايةٍ فقيهٍ لا يعرفها السلف. أمّا النظام الذي يتكلّم اليوم فلم يبلغ بعدُ نصف القرن، وسجلُّه يبدأ مع وصوله، لا مع آلاف السنين التي يفاخر بها.

أمّا البحرين فهي دلمونُ وتايلوسُ وأوال، أسماءٌ رسخت في بطون التاريخ قبل أن تعرف طهرانُ مذهبَها، وقبل أن يخرج هذا النظام بدعوى «الأرض المنفصلة». حضارةٌ امتدّت آلاف السنين، لا يطالها ادّعاءٌ سياسيٌّ يخلط الدين بالجغرافيا، ولا يمحوها بيانٌ يزعم أنّ البحرين جزءٌ منفصلٌ من أراضيه وهو يعلم أنّ هويتها العربية أقدمُ وأرسخُ من كلّ خريطةٍ ترسمها طهران لنفسها.

يستشهدون بالآية ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ليُسقطوا مركزية اللغة العربية وأرض الوحي، وهم يعلمون أنّ القرآن نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين، وأنّ النبيّ عربيّ، وأنّ الرسالة خرجت من هذه الأرض. فليس ادّعاءُ التمثيل قائماً على مجرّد النطق بالعربية، بل على حفظ جوهر الرسالة وتركها بعيداً عن مطامع السلطة. ومن جعل التفضيل بالتقوى سلاحاً ليُنكر حقيقة الوحي فقد حرّف المعنى قبل أن يبلغ المرمى.

ثمّ يتحدّثون عن حسن الجوار والأخوّة الإسلامية، وهم الذين أورثوا الشعوب كرهاً لإيران بما بثّوا من فتنٍ وتدخلاتٍ وميليشيات، حتى صارت كلمة إيران عند كثيرٍ من أهل المنطقة مرادفةً للقلق لا للأخوّة. فأيّ تاريخٍ أسودَ يتكلّمون عنه وقد بدأ سجلُّهم مع وصولهم؟ وأيّ ركونٍ إلى الظالمين يحذّرون منه وهم الذين أعانوا على سفك الدم العربيّ في أكثر من ساحة، وزرعوا الميليشيات في عواصم الجيران؟

إنّ من أراد أن يزن سلوك الحكومات بمعيار القرآن فليبدأ بنفسه. فالرسالة المحمّدية ليست ملكاً لطهران ولا لغيرها، ومن جعل الدين غطاءً لطموحٍ توسعيٍّ فقد وضع نفسه حيث يحذّر الكتاب قبل أن يوجّه النصح إلى أحد. والحضارة الحقّة ليست في ليّ أعناق الآيات ولا في ادعاء الوصاية على الوحي، بل في حفظ الجوار وترك الشعوب وشأنها، وفي الاعتراف بأنّ الأرض التي عُرفت بدلمون وتايلوس وأوال أقدمُ من هذا النظام وأرسخُ في التاريخ من كلّ بيانٍ يُراد به طمس الحقائق.