بقلم رئيس منصة مدافعي البحرين :عبدالله إبراهيم الشاعر
من حربٍ كان يُراد لها أن تعيد رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط، إلى نزاعٍ يتقلص يومًا بعد يوم حول ممرٍ مائيٍّ ضيق، هذا هو المسار الذي سلكته المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران منذ الثامن والعشرين من فبراير ٢٠٢٦. لم تكن الحرب في بدايتها مجرد عملية عسكرية محدودة، بل إعلانًا صريحًا عن نيةٍ لإعادة تعريف موقع إيران في الإقليم. الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم يتردد في القول إن الهدف يتعدى تدمير المنشآت النووية والصاروخية، وإنه يصل إلى إسقاط النظام نفسه، داعيًا الإيرانيين إلى تولي زمام بلادهم، وموجّهًا خطابًا مباشرًا إلى الحرس الثوري بأن يلقي السلاح أو يواجه الموت. أما الجانب الإسرائيلي فقد كان أكثر وضوحًا في رؤيته: تفكيك القدرة النووية، كسر العمود الفقري للصواريخ الباليستية، وإضعاف النظام إلى الحد الذي يجعل استمراره أمرًا مشكوكًا فيه.
في الساعات الأولى، بدا أن هذه الأهداف قابلة للتحقق. قُتل المرشد الأعلى علي خامنئي مع عدد كبير من القادة العسكريين والأمنيين، ودُمرت منشآت نووية وقاعدات صاروخية ومراكز قيادة. بدت إيران، للحظة، كأنها تترنح تحت وطأة الضربات الجوية والصاروخية المتواصلة. لكن الحرب، ككل الحروب الكبرى، لا تسير وفق النص المكتوب في غرف التخطيط. فإيران، التي فقدت رأسها السياسي والعسكري، لم تنهار. بل لجأت إلى الورقة التي طالما لوّحت بها ولم تستخدمها بهذا القدر من الجدية: مضيق هرمز.
منذ الأيام الأولى، تحول المضيق من ممرٍ تجاريٍّ دولي إلى ساحة مواجهة مباشرة. أغلقت إيران الملاحة أو قيّدتها بشدة، واستهدفت السفن التجارية والعسكرية، ورفعت أسعار النفط، وهددت استقرار أسواق الطاقة العالمية. وهنا بدأت الأهداف المعلنة تتآكل. فالحديث عن تدمير البرنامج النووي بالكامل اصطدم بواقع أن منشآت عميقة ومحمية بقيت قائمة، وأن المخزون من اليورانيوم المخصب لم يُستأصل تمامًا. أما إسقاط النظام فقد تحول إلى أمنية بعيدة المنال، بعد أن أعادت المؤسسة الإيرانية ترتيب صفوفها وعيّنت خلفاء، واستمرت في إدارة الدولة رغم الخسائر الفادحة.
مع مرور الأسابيع، ظهرت مذكرات التفاهم والهدن المؤقتة، كان أبرزها في يونيو ٢٠٢٦. لكن هذه الاتفاقات لم تكن نهاية الحرب، بل بداية تحولها. فبدلاً من أن تركز المفاوضات على نزع السلاح النووي أو هيكلة النظام، أصبحت تدور حول فتح المضيق، وتحديد المسارات البحرية، ورفض الرسوم الإيرانية، وضمان حرية الملاحة. كل مرة تتعرض فيها سفينة لاستهداف، أو تعلن إيران سيطرتها على حركة العبور، تعود الضربات الأمريكية، ثم تعود التهدئة، ثم يعود التوتر. وهكذا، شيئًا فشيئًا، تحولت الحرب من مواجهة شاملة تهدف إلى تغيير معادلات القوة إلى نزاع تقني حول إدارة ممر مائي.
هذا التحول ليس مجرد تطور ميداني، بل كشفٌ عن طبيعة الأهداف نفسها. فالأهداف المعلنة كانت طموحة إلى حد الإفراط، مستندة إلى تقديرات مبالغ فيها لقدرة الضربات الجوية على إحداث انهيار سياسي. لكن التاريخ يعلمنا، ونحن أبناء منطقة عاشت حروبًا كثيرة، أن تدمير المنشآت لا يعني بالضرورة تدمير الإرادة، وأن قتل القادة لا يعني بالضرورة سقوط النظام. إسرائيل، التي كانت تطمح إلى ضربة قاضية، وجدت نفسها أمام حرب استنزاف لا تنتهي، وأمريكا، التي دخلت الحرب بحماسٍ ترمبيٍّ مفرط، اكتشفت أن كلفة السيطرة على هرمز أعلى من كلفة تركه ساحة للمناورة.
اليوم، بعد أكثر من خمسة أشهر، لم يعد السؤال: هل ستسقط إيران؟ بل: من يتحكم في المضيق؟ إيران تطالب بسيطرة فعلية على حركة الدخول والخروج، وتريد فرض قواعدها، بينما الولايات المتحدة تصر على أن المضيق ممر دولي لا يجوز أن يخضع لسيادة أي طرف. وبين الطرفين تتفاوض سلطنة عمان والوسطاء الآخرون، وتتصاعد الضغوط الاقتصادية، وتتراجع حركة الملاحة ثم تعود جزئيًا، في دورة لا تنتهي.
هذا التحول يحمل في طياته دروسًا أعمق. فالحروب التي تبدأ بأهداف كبرى غالبًا ما تنتهي بمكاسب محدودة أو بتسويات جزئية. والشرق الأوسط، الذي شهد على مدار عقود محاولات لفرض حلول جذرية بالقوة، يعرف جيدًا أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع استقرارًا. مصر، التي عاشت تجربة ١٩٦٧ ثم ١٩٧٣، ثم اتفاقيات السلام، تدرك أكثر من غيرها أن الحرب قد تغير موازين القوى مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تحسم القضايا الاستراتيجية الكبرى.
المشكلة الآن ليست في قدرة أحد الطرفين على توجيه ضربة أخرى، بل في غياب رؤية سياسية واضحة لما بعد الحرب. فأمريكا وإسرائيل دخلتا المواجهة وهما تتحدثان عن نهاية إيران كتهديد، لكنهما خرجتا منها وهما تتحدثان عن فتح المضيق. وإيران دخلتها وهي تواجه خطر الانهيار، فخرجت منها وقد حولت أزمتها إلى ورقة ضغط عالمية عبر الطاقة. وهكذا، تحولت الحرب من محاولة لإعادة تشكيل الإقليم إلى نزاع حول نقطة اختناق بحرية، كأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه في صورة أصغر وأضيق.
هل هذا هو المصير الحتمي لكل حرب كبرى في منطقتنا؟ أن تبدأ بالحديث عن تغيير الأنظمة وتنتهي بالحديث عن مسارات السفن؟ أم أن ما نراه اليوم هو مجرد مرحلة انتقالية قبل جولة جديدة من التصعيد؟ الإجابة ليست واضحة بعد، لكن ما هو واضح أن الأهداف المعلنة في فبراير لم تعد هي الأهداف التي تحكم سلوك الأطراف في أغسطس. وهذا في حد ذاته يكفي ليفهم المرء أن الحرب، مهما بلغت ضراوتها، تظل أسيرة الحسابات السياسية والاقتصادية، وأن المضيق الذي كان يُراد له أن يكون أداة ضغط قد أصبح هو نفسه جوهر الصراع.