بقلم عبدالله إبراهيم الشاعر :
في زمنٍ لم يعد فيه الرصاص وحده يصنع النصر أو الهزيمة، صار الصمت الرقمي أشد فتكاً من المدفع. الهجوم الإلكتروني ليس اختراقاً فنياً عابراً، ولا لعبة هواة خلف الشاشات، بل هو حربٌ جديدةٌ تُدار بأدواتٍ لا تُرى، وتضرب في العمق دون أن يسمع أحدٌ صوت انفجار. إنها الحرب التي لا تُعلن، ولا تُرفع فيها الرايات، لكنها تُسقط دولاً وتُشلّ اقتصادات وتُرعب شعوباً.
الهجوم الإلكتروني هو كل فعلٍ عدائي يُستخدم فيه الحاسوب أو الشبكة أو البرمجيات لتعطيل نظامٍ أو سرقة معلومة أو تدمير قدرة أو بث فوضى. يبدأ أحياناً برسالةٍ بريئةٍ في البريد الإلكتروني، أو رابطٍ يبدو عادياً، أو تطبيقٍ يُنزَّل بحسن نية، ثم ينتهي باختراقٍ كاملٍ للمنشآت الحيوية: الكهرباء، والمياه، والبنوك، والمطارات، وحتى أنظمة الدفاع. وقد رأينا كيف استُهدفت منشآتٌ في الخليج، وكيف تسربت بياناتٌ عسكرية، وكيف تعطلت مواقعٌ حكومية، وكيف تحولت الشاشات إلى أدوات رعب نفسي. إيران، في صراعها الحالي، لم تكتفِ بالصواريخ والمسيّرات، بل أضافت إلى ترسانتها هذه الأداة الصامتة، فصار الهجوم الإلكتروني جزءاً أصيلاً من استراتيجيتها في الضغط على خصومها في المنطقة.
لكن الخطر لا يكمن فقط في قدرة الخصم، بل في غفلة الضحية. كثيرٌ من الدول العربية، بما فيها تلك التي تمتلك قدراتٍ تقنية متقدمة، لا تزال تتعامل مع الأمن السيبراني كملفٍ ثانوي، أو كقضيةٍ فنية تُترك للمتخصصين. هذا خطأٌ قاتل. فالحرب الإلكترونية ليست حرب مهندسين فقط، بل هي حرب إرادةٍ ووعيٍ وقرارٍ سياسي. وكما أن الجيش يحتاج إلى عقيدة قتالية، فإن الدولة تحتاج إلى عقيدة سيبرانية واضحة: من يهاجمنا؟ بماذا؟ وكيف نرد؟ وكيف نحمي مجتمعنا قبل أن نحمي خوادمنا؟
كيف نتصرف إذن؟
أولاً على مستوى الدولة: لا بد من اعتبار الأمن السيبراني جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي، لا يقل أهمية عن الدفاع الجوي أو أمن الحدود. يجب أن تكون هناك قيادةٌ موحدة، وميزانياتٌ حقيقية، وتدريبٌ مستمر، وتنسيقٌ يومي بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والتقنية. كما يجب أن تُعامل البنية التحتية الحيوية (الكهرباء، المياه، النفط، الاتصالات، المال) كأهدافٍ استراتيجية تحتاج إلى حماية متعددة الطبقات، لا إلى حلولٍ ترقيعية.
ثانياً على مستوى المؤسسات: كل جهةٍ حكومية أو خاصة تمتلك بياناتٍ أو أنظمة تشغيل يجب أن تفرض بروتوكولات صارمة: تحديث الأنظمة فوراً، فصل الشبكات الحساسة عن الإنترنت قدر الإمكان، تدريب الموظفين على كشف رسائل التصيد، وإجراء اختبارات اختراق دورية. الإهمال هنا ليس تقصيراً إدارياً، بل خيانةٌ للأمن الوطني.
ثالثاً على مستوى الفرد: المواطن ليس متفرجاً. هو الحلقة الأضعف والأخطر في آنٍ واحد. كلمة مرور ضعيفة، أو فتح رسالة مشبوهة، أو تنزيل تطبيقٍ من مصدرٍ غير موثوق، قد يكون الثغرة التي يدخل منها العدو إلى شبكةٍ كاملة. لذلك يجب أن يصبح الوعي السيبراني ثقافةً عامة: لا تثق بالروابط، فعّل المصادقة الثنائية، حدّث أجهزتك، ولا تشارك معلوماتٍ حساسة عبر تطبيقاتٍ غير آمنة.
التدابير الحقيقية ليست تقنية فقط. هي سياسية وأخلاقية أيضاً. لا يكفي أن نبني جدراناً رقمية، بل يجب أن نواجه مصادر التهديد بصرامة. من يموّل الهجمات الإلكترونية، ومن يدرب القراصنة، ومن يستخدم هذه الأدوات لزعزعة استقرار دول المنطقة، يجب أن يُحاسب دولياً وإقليمياً. الصمت أمام هذه الحرب الجديدة يشجع المعتدي ويزيد من جرأته.
نحن أمام معركةٍ جديدة من معارك الوجود. من لا يمتلك سيادة رقمية، لن يمتلك سيادة حقيقية. ومن يظن أن الحروب لا تزال تُحسم بالطائرات والصواريخ وحدها، لم يقرأ بعدُ درس القرن الحادي والعشرين. الهجوم الإلكتروني قادم، سواء شئنا أم أبينا. السؤال ليس: هل سيحدث؟ السؤال هو: هل سنكون مستعدين حين يحدث؟