في الوقت الذي يحاول فيه الحرس الثوري الإيراني الترويج لرواية «تدمير رادارات ومنظومات دفاع جوي أمريكية في البحرين» ضمن «الموجة الرابعة والعشرين من عملية نصر 2»، ويصف هذه الضربات المزعومة بأنها «ليلة سوداء» صنعتها صواريخه وطائراته المسيرة في المحرق والرفاع، يتضح بجلاء أن ما يُقدَّم ليس سوى فصل جديد من فصول الدعاية الكاذبة التي اعتادها النظام الإيراني كلما ضاقت به السبل واشتدت عليه الأزمات.
إن الزعم بتدمير منظومة «باتريوت» الأمريكية في الرفاع، وإخراج رادار ومنظومة دفاع جوي من الخدمة كلياً في المحرق، ثم ربط ذلك كله بـ«تمهيد الطريق للعملية الواسعة المقبلة»، هو ادعاء يفتقر إلى أدنى درجات المصداقية الميدانية. فلو كانت مثل هذه الضربات قد وقعت فعلاً بالدقة التي يصفها البيان، لكانت المنطقة قد شهدت تداعيات فورية وواضحة: بيانات رسمية أمريكية وبحرينية، صور أقمار صناعية، تغطية استخباراتية مكثفة، وارتفاع حاد في أسعار النفط ومؤشرات الأسواق. أما الصمت الذي يقابل هذه الادعاءات، فهو في حد ذاته دليل دامغ على أن ما جرى ليس إلا محاولة لصناعة «انتصار» وهمي على حساب الحقيقة.
إن الحديث عن «شل القدرات الدفاعية الأمريكية» في البحرين يتجاهل حقيقة استراتيجية أساسية: مملكة البحرين لا تمتلك فقط منظومات دفاع جوي متطورة، بل ترتبط بشبكة أمنية إقليمية ودولية متكاملة تجعل من أي محاولة لاختراق مجالها الجوي أو السيادي مخاطرة استراتيجية كبرى. قاعدة الجفير، التي تستضيف الأسطول الخامس الأمريكي، ليست هدفاً معزولاً، بل جزء من منظومة ردع متشابكة مع قوات الدفاع البحرينية وأشقائها في مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية. ومن يظن أن بإمكانه «تمهيد الطريق» لعملية أوسع ضد البحرين، فهو يتجاهل أن أمن البحرين خط أحمر استراتيجي لا يمكن تجاوزه دون دفع ثمن باهظ.
إن هذه الادعاءات تكشف، أكثر مما تخفي، عن الطموح التوسعي الذي يحمله النظام الإيراني تجاه دول الخليج العربي. فالبحرين ليست مجرد «هدف عسكري» في حسابات طهران، بل هي رمز للدولة الوطنية المستقرة التي نجحت في بناء نموذج أمني وسياسي يقوم على الشراكة الاستراتيجية والتنمية والتعايش، في مقابل مشروع الفوضى والوكلاء الذي ترعاه إيران في أكثر من دولة عربية. وكل محاولة للنيل من استقرار البحرين هي في جوهرها محاولة لضرب هذا النموذج وإعادة المنطقة إلى دائرة الصراعات التي يتغذى عليها النظام الإيراني.
لقد أثبت التاريخ القريب أن الادعاءات الإيرانية الكبرى غالباً ما تنتهي بفشل ذريع على أرض الواقع، وأن الدول التي تحافظ على سيادتها وتحالفاتها الراسخة هي التي تنتصر في النهاية. والبحرين اليوم، بقيادتها الحكيمة وشعبها الملتف حولها، أقوى من أي وقت مضى في الدفاع عن استقلالها وأمنها. إن محاولات الحرس الثوري «صناعة ليلة سوداء» لن تنجح في إطفاء نور الاستقرار البحريني، بل ستزيد من عزلة النظام الإيراني وتسرّع من انكشاف أوهامه التوسعية أمام الجميع.
البحرين باقية، والسيادة البحرينية مصونة، والردع قائم. وكل من يحاول العبث بهذا الواقع سيكتشف، كما اكتشف غيره من قبل، أن البحرين ليست ساحة، بل حصن منيع.