البيان الصادر عن ما يُسمّى «قوى المعارضة البحرينية» ليس بياناً سياسياً ولا موقفاً وطنياً، بل نصٌّ مفبركٌ بعناية، مكتوبٌ بمدادٍ إيرانيٍّ صريح، وموجّهٌ مباشرةً ضدّ استقرار البحرين ووحدتها وسيادتها. هو امتدادٌ مباشرٌ لمشروع التشظية الذي تديره طهران عبر وكلائها المحليين، ولا يختلف في جوهره عن البيانات التي كانت تُصدَّر من غرف العمليات في قمّ وبيروت خلال سنوات الفوضى.

يبدأ النصّ بتأييد بيان عيسى قاسم بتاريخ 14 يوليو 2026. هذا التأييد وحده يكفي لكشف الطبيعة الحقيقية للبيان. فعيسى قاسم لم يكن يوماً رمزاً وطنياً بحرينياً، بل كان ولا يزال حلقةً في سلسلة الولاء الإيراني، يُوظَّف خطابه لإعادة إنتاج سردية «المظلومية المذهبية» التي أثبتت فشلها الذريع في كل الساحات التي جُرّبت فيها. الادعاء بأن البحرين تواجه «تهديداً وجودياً» يطال المواطنين الشيعة، وأن النظام يرتكب «جرائم غير مسبوقة» و«حرب تطهير» تطال المساجد والحسينيات والأوقاف والعلماء، هو ادعاءٌ كاذبٌ جملةً وتفصيلاً. البحرين دولةٌ واحدة، وشعبها واحد، والمساجد والحسينيات مفتوحةٌ أمام الجميع في إطار القانون، والعلماء الذين يلتزمون بالدستور والقوانين يمارسون دورهم الديني دون مضايقة. أما من يخرج على القانون ويحوّل المنبر إلى منصةٍ للتحريض والولاء الخارجي، فهو لا يُضطهد، بل يُحاسب كما يُحاسب أي مواطنٍ آخر.

الزعم بأن هذه «الجرائم» تتم بأوامر مباشرة من جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة،

وبتنفيذ من وزير الداخلية راشد بن عبد الله آل خليفة،

هو قمة الوقاحة السياسية.

الملك هو رمز الوحدة الوطنية وضامن الاستقرار الذي أنقذ البحرين من الانهيار عام 2011، والوزير ينفّذ سياسة الدولة في حفظ الأمن وسيادة القانون. تحويل هذين الاسمين إلى رموزٍ للشرّ المطلق ليس إلا محاولةً يائسةً لشيطنة الشرعية الوطنية وتبرير العداء لها.

يُصرّ البيان على أن «الانتماء للوطن والدين يتطلّبان عدم القبول بالظلم والاضطهاد»، ويدعو إلى «رفض التنازل عن السيادة» و«مقاومة سياسة استهداف المواطنين على أسس مذهبية». هذه العبارات الجميلة فارغةٌ من المعنى الحقيقي. السيادة الحقيقية هي سيادة الدولة البحرينية على أرضها وشعبها، لا سيادة الأجندة الإيرانية التي تُريد أن تجعل من البحرين ساحةً خلفيةً لصراعاتها الإقليمية. والوحدة الوطنية الحقيقية هي تلك التي رفضت الفتنة المذهبية عام 2011 ورفضتها مرةً أخرى في كل محطةٍ لاحقة. أما من يرفع شعار «الوحدة» وهو يدعو صراحةً إلى الخروج على القانون وإحياء ذكرى دينية بطريقةٍ تستهدف استفزاز الدولة وإرباك الأمن، فهو يمارس النفاق السياسي في أوضح صوره.

الدعوة إلى المشاركة الفاعلة في إحياء ذكرى شهادة الإمام الحسن المجتبى في السابع من صفر، مع «عدم الالتزام بالقوانين الظالمة»، تكشف النية الحقيقية. الشعائر الدينية محترمةٌ في البحرين، لكن تحويلها إلى أدواتٍ للتعبئة السياسية والتحريض على العصيان هو ما يرفضه القانون ويرفضه العقلاء. القوانين التي يصفها البيان بـ«قوانين حرب التطهير» هي في حقيقتها قوانين حفظ النظام العام ومنع استغلال الدين لأغراضٍ سياسيةٍ طائفية. تجريم الشعائر ليس موجوداً في البحرين، بل الموجود هو منع تحويل الشعائر إلى منصاتٍ للفوضى والولاء الخارجي.

أما إعلان يوم الجمعة 24 يوليو 2026 «جمعة نصرة العلماء» والدعوة إلى الاحتشاد في المساجد والدعاء بهلاك «الظالمين» والتظاهر في عموم مناطق البلاد، فهو دعوةٌ صريحةٌ إلى إعادة إنتاج مشهد 2011. العلماء «الرهائن» الذين يتحدث عنهم البيان هم في معظمهم من حُوكموا وفق إجراءاتٍ قضائيةٍ واضحةٍ بتهمٍ تتعلق بالأمن والتحريض والارتباط بجهاتٍ خارجية. رفع شعار «نصرة العلماء» هنا ليس نصرةً للعلم ولا للدين، بل محاولةٌ لإعادة تفعيل الورقة المذهبية بعد أن فشلت في السابق. شعب البحرين، بكل مكوناته، أثبت مراراً أنه لا يستجيب لهذا النوع من الاستفزاز، وأن ولاءه لوطنه أقوى من أي خطابٍ طائفيٍّ وافد.

هذا البيان، بكل ما فيه من مبالغاتٍ واتهاماتٍ ودعواتٍ للخروج على القانون، ليس صوتاً بحرينياً أصيلاً. هو صوتٌ مموّلٌ ومدعومٌ من المشروع الإيراني الذي يريد البحرين ضعيفةً منقسمةً، حتى تبقى طهران قادرةً على ابتزاز المنطقة عبر أدواتها. البحرين اليوم أقوى مما كانت عليه قبل خمس عشرة سنة، وأقدر على حماية وحدتها وسيادتها، وأكثر وعياً بمخاطر الخطاب الذي يخلط بين الدين والسياسة والولاء الخارجي.

الردّ الصحيح على هذا البيان ليس بالردّ العاطفي، بل بالتمسك بالدولة الوطنية، وبسيادة القانون، وبإصرار الشعب البحريني بكل أطيافه على أن الفوضى لن تعود، وأن أي محاولةٍ لإعادة إنتاجها باسم الدين أو المذهب أو «نصرة العلماء» ستُواجه بالحزم نفسه الذي واجهت به البحرين كل محاولات الهدم السابقة.