كتب التصريح بقلم :عبدالله إبراهيم الشاعر
حين تتجرأ صحيفة إيرانية على الحديث عن «تحرير البحرين» و«سقوط النظام» و«إعادة رسم الخريطة»، فإنها لا تتحدث من موقع قوة، بل من قلب هاوية سحيقة. إيران اليوم ليست دولة تصدّر الثورة أو المقاومة، بل دولة تترنح تحت وطأة أزمات متراكمة أنهكت شعبها وحطّمت اقتصادها وفضحت عجز نظامها.
اقتصادها منهار بلا مواربة. العملة تتساقط يوماً بعد يوم، والتضخم يلتهم رواتب الموظفين حتى أصبحت لا تكفي لأسابيع معدودة. الفقر يتسع كالنار في الهشيم، والطوابير أمام المخابز ومحطات الوقود والدواء أصبحت مشهداً يومياً. البطالة بين الشباب مرتفعة بشكل مخيف، والكفاءات تهاجر بالمئات والآلاف بحثاً عن فرصة حياة خارج حدودٍ ضاقت بأهلها. المصانع تتوقف، والاستثمار ينفر، والفساد ينخر في كل مفاصل الدولة حتى لم يعد أحد يثق بمؤسسة أو مسؤول.
أما البنية التحتية فحدّث ولا حرج. انقطاع الكهرباء أصبح روتيناً في الصيف والشتاء، والمياه شحيحة في مدنٍ كانت بالأمس القريب لا تعرف العطش. الهواء ملوث، والبيئة منهكة، والأزمات البيئية تتفاقم بينما تُنفق المليارات على مغامرات خارجية لا تعود على المواطن الإيراني إلا بالمزيد من الضغوط والعقوبات.
وفي الداخل، القمع هو اللغة الوحيدة التي يجيدها النظام. الاحتجاجات تُواجه بالرصاص والاعتقالات والإعدامات، والسجون ممتلئة بمعارضين ونشطاء ونساء تجرّأن على رفض الإملاءات. الحريات الشخصية مصادرة، والرقابة خانقة، والشباب يبحثون عن أي منفذ للهروب من واقعٍ خانق لا أمل فيه. حتى الطموح العلمي والاقتصادي يُذبح على مذبح الأيديولوجيا والمغامرات الإقليمية.
كل هذا يحدث بينما يجلس كتّابهم وصحفهم يتحدثون عن «تحرير» البحرين و«إسقاط العائلات الحاكمة» و«توسيع جبهة المقاومة». أيّ مقاومة هذه التي يعجز أصحابها عن توفير رغيف الخبز والدواء والكهرباء لشعبهم؟ وأيّ تحريرٍ يصدر عن نظامٍ يحوّل شعبه إلى رهائن لفشله؟ إن من يعجز عن إدارة شؤون مدنه وقراه، كيف له أن يدّعي القدرة على إعادة ترتيب شؤون الآخرين؟
البحرين ليست ورقة في لعبة إيران الخاسرة. هي دولة مستقرة، ذات اقتصاد مفتوح، ومستوى معيشة لا يقارن بما يعانيه المواطن الإيراني، وشعب يرفض الوصاية والطائفية والتدخل. من يظن أن بإمكانه تصدير الفوضى إلى البحرين بينما بيته يحترق، فهو إما واهم أو يائس يبحث عن أي ضجيج يغطي به صوت انهياره الداخلي.
إيران اليوم تدفع ثمن عقود من المغامرة والصلف والعقوبات والحروب بالوكالة. تتحدث عن التوسع وهي محاصرة، وعن القوة وهي منهكة، وعن التحرير وهي غير قادرة على تحرير شعبها من الفقر والقمع واليأس. هذا هو الواقع الذي يحاولون الهروب منه بكتابة مقالاتٍ مريضة عن البحرين وغيرها.
من أراد أن يحرر أحداً، فليبدأ بإصلاح ما أفسده في بيته. أما الحديث عن إسقاط الدول وضمّ الأراضي وسط هذا الركام من الفشل، فليس إلا صراخاً في وادٍ سحيق، لن يسمعه أحد ولن يغيّر من حقيقة الانهيار شيئاً.