سلمان ناصر
” الحق في الحقيقة… كمسألة سيادة “
في ضوء صدور الأمر الملكي رقم (20) لسنة 2026 بشأن إنشاء لجنة توثيق ملحمة الصمود الوطني، فإن هذا القرار يمثل انتقالاً واضحاً في مفهوم الدولة الحديثة من إدارة الحدث إلى إدارة الذاكرة ذاتها، باعتبارها أحد مستويات السيادة غير المرئية التي لا تقل أهمية عن أدوات الأمن والسياسة.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تنظيم لعملية توثيق تاريخي، بل إعادة تعريف لطبيعة العلاقة بين الدولة وتاريخها، بحيث تتحول الوقائع من أحداث قابلة للتأويل المتعدد إلى سجل وطني مؤسسي مضبوط المرجعية، يحدّ من أي محاولات لإعادة إنتاجها خارج سياقها الرسمي أو تفكيك معناها في الفضاء العام.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً استراتيجياً بأن الصراع في صورته المعاصرة لم يعد محصوراً في البعد المادي المباشر، بل امتد إلى مساحة أعمق وأكثر حساسية: مساحة الوعي والسردية والذاكرة، حيث تُصاغ الحقائق أو يُعاد تشكيلها وفق منطق التأثير لا منطق الوقائع.
ومن هذا المنطلق، فإن إشراك مؤسسات سيادية وأمنية وإعلامية وأكاديمية في هذا المشروع لا يمكن قراءته كتوسيع إداري، بل كتأكيد على أن الذاكرة الوطنية أصبحت جزءاً من البنية المتكاملة للأمن الوطني، وأن التوثيق لم يعد فعلاً أرشيفياً، بل أداة لضبط المجال المعرفي وحماية الوعي العام من التشظي والتأويل الانتقائي.
كما يؤكد هذا المسار أن مفهوم “الحق في الحقيقة” يدخل مرحلة أكثر نضجاً، حيث لا تُترك الحقيقة عرضة للتنازع المفتوح، بل تُصاغ ضمن إطار مؤسسي يوازن بين متطلبات السيادة وحق المجتمع في المعرفة، بما يضمن استقرار الرواية الوطنية ووحدة مرجعيتها.
إن أخطر ما تواجهه الدول في المرحلة الراهنة ليس الحدث ذاته، بل ما يُقال عن الحدث وكيف يُعاد تشكيله. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من توثيق الوقائع إلى ضبط سرديتها ضمن إطار وطني رسمي، يجعل من الذاكرة جزءاً من منظومة الحماية لا مجرد سجل للماضي.
واختتاماً، فإن هذا القرار يؤسس لمرحلة جديدة في بنية الدولة، تُصبح فيها الذاكرة الوطنية جزءاً من أدوات القوة الناعمة والصلبة في آن واحد، وتتحول فيها الحقيقة الموثقة إلى عنصر من عناصر الاستقرار، لا يقل أهمية عن الأمن المادي والسياسي.
إن الدولة هنا لا تحفظ تاريخها فقط… بل تمنع الآخرين من إعادة كتابته خارج سياقه.